الملا فتح الله الكاشاني

285

زبدة التفاسير

حيث لم يقل : وزلّ آدم وأخطأ ، وما أشبه ذلك ممّا يعبّر به عن الزلَّات الَّتي هي ارتكاب ما هو تركه أولى وأصوب - لطف بالمكلَّفين ، وزجر بليغ ، وموعظة كافّة . وكأنّه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبيّ المعصوم حبيب اللَّه عزّ وجلّ وصفيّه ، الَّذي لا يجوز عليه اقتراف الكبيرة والصغيرة ، وزجرته عن ترك الأولى بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع ؟ ! فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيّئات والصغائر ، فضلا عن التجسّر على التورّط في الكبائر . * ( ثُمَّ اجْتَباه رَبُّه ) * اصطفاه وقرّبه إليه بالتوبة عمّا صدر منه من ترك الندب . من : جبي إليّ كذا فاجتبيته ، مثل : جليت عليّ العروس فاجتليتها . وأصل الكلمة الجمع . يقال : اجتبت الفرس نفسها ، إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار . * ( فَتابَ عَلَيْه ) * رجع إليه ، وقبل توبته لمّا تاب * ( وهَدى ) * إلى الثبات على التوبة ، ووفّقه لحفظها ، والتشبّث بأسباب التقوى . وقيل : هداه إلى الكلمات الَّتي تلقّاها منه . * ( قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً ) * الخطاب لآدم وحوّاء ، أو له ولإبليس . ولمّا كان آدم وحوّاء أصلي البشر ، والسّببين اللَّذين منهما نشؤوا وتفرّعوا ، جعلا كأنّهما البشر في أنفسهما ، فخوطبا مخاطبتهم ، فقيل : * ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) * لأمر المعاش ، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب . أو لاختلال حال كلّ من النوعين بواسطة الآخر . أو الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس . ويؤيّد الأوّل قوله : * ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) * كتاب ورسول * ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ) * في الدنيا عن طريق الدين * ( ولا يَشْقى ) * في الآخرة عن الثواب الدائم . عن ابن عبّاس : ضمن اللَّه لمن اتّبع القرآن أن لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة . ثمّ تلا قوله : « فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى » . والمعنى : أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين ، فمن اتّبع كتاب اللَّه عزّ وجلّ ، وامتثل أوامره ، وانتهى عن نواهيه ، نجا من الضلال ومن عقابه .